الشريف المرتضى
516
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
وهذا أحد ما يدلّ على أنّه تعالى ليس بجسم ، وأنّه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة ؛ لأنّه لو كان بهذه الصفات - تعالى عنها - لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين ؛ ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره ، ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة ؛ كما أن جميع ذلك واجب في المحدثين الذين يفتقرون في الكلام إلى الآلات . وثالثها : ما ذكره بعضهم من أنّ المراد بالآية أنّه سريع العلم بكل محسوب ، وأنّه لما كانت عادة بني الدنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء في أكثر أمورهم ؛ أعلمهم اللّه تعالى أنّه يعلم ما يحسبون بغير حساب ؛ وإنّما سمّى العلم حسابا لأنّ الحساب إنّما يراد به العلم ؛ وهذا جواب ضعيف ؛ لأنّ العلم بالحساب أو المحسوب لا يسمّى حسابا ، ولو سمّى بذلك لما جاز أيضا أن يقال إنّه سريع العلم بكذا ؛ لأنّ علمه بالأشياء ممّا لا يتجدّد فيوصف بالسرعة . ورابعها : أنّ اللّه تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم ؛ وذلك أنّه يسأل في وقت واحد سؤالات مختلفة من أمور الدنيا والآخرة ، فيجزى كلّ عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته ، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحدّ ومقدار ؛ فلو كان الأمر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب ، فأعلمنا تعالى أنّه سريع الحساب ، أي سريع القبول للدعاء بغير احساس وبحث عن المقدار الذي يستحقّه الداعي ؛ كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء ، وهذا جواب مبنيّ أيضا على دعوى أنّ قبول الدعاء لا يسمّى حسابا في لغة ولا عرف ولا شرع . وقد كان يجب على من أجاب بهذا الجواب أن يستشهد على ذلك بما يكون حجّة فيه ، وإلّا فلا طائل فيما ذكره . ويمكن في الآية وجه آخر : وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة وموافقتهم عليها ، وتكون الفائدة في الإخبار بسرعته الإخبار عن قرب الساعة ؛ كما قال تعالى : سَرِيعُ الْعِقابِ . * وليس لأحد أن يقول : فهذا هو الجواب الأوّل الذي حكيتموه ؛ وذلك أنّ